تشجع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شركات أميركية مختارة على تنفيذ هجمات إلكترونية بنفسها ضد مجموعات جرائم إلكترونية أجنبية، في خطوة يرى مسؤولون في البيت الأبيض أنها ستساعد في التصدي لتهديدات رقمية متزايدة، فيما يحذّر مسؤولون سابقون وخبراء أمنيون من أنها قد تفضي إلى حالة من الفوضى، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”.
وبموجب مذكرة للأمن القومي وقّعها ترامب، الأربعاء، يمكن لشركات مختارة العمل بالتنسيق مع وزارتي العدل والأمن الداخلي لاستهداف مجموعات إجرامية إلكترونية أجنبية في ظروف محددة، في محاولة لمواجهة تهديدات متنامية، في مقدمتها هجمات برامج الفدية والاحتيال الإلكتروني.
وتتيح السياسة الجديدة تنفيذ عمليات تهدف إلى مراقبة “شبكات المجرمين الإلكترونيين”، إلى جانب شن هجمات يمكن أن تؤدي إلى تعطيل أنظمة وشبكات معلوماتية أو التلاعب بها أو تدميرها، بما يشمل بنى تحتية افتراضية ومادية.
ولم يتضح بعد أي الشركات ستشارك في البرنامج، لكن الخطوة تمثّل تحولاً لافتاً عن نهج اتبعته إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، وركز على تعزيز دفاعات القطاع الخاص، مع إبقاء العمليات الهجومية ضمن اختصاص الجيش وأجهزة الاستخبارات.
ضوابط صارمة
ولا تمنح المذكرة الشركات حرية مطلقة لشن هجمات إلكترونية، إذ يتعين إخضاع الشركات الراغبة في المشاركة لعملية تدقيق مسبقة، وتوقيع عقود مع الحكومة تتضمن غرامات تصل إلى مليون دولار عند مخالفة الشروط.
كما يتعين الحصول على موافقة خطية من مسؤولين في وزارتي العدل والأمن الداخلي قبل تنفيذ أي هجوم.
ولا تسمح السياسة بعمليات يُرجح أن تؤدي إلى خسائر في الأرواح أو إصابات خطيرة، أو ترقى إلى مستوى “استخدام القوة أو الهجوم المسلح” بموجب القانون الدولي.
تتجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تعديل الإطار التنظيمي الجديد للذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاق الرقابة الحكومية على النماذج الأكثر تطوراً.
وتتضمن المذكرة ملحقاً سرياً يحدد آلية لمنع التعارض بين عمليات الشركات والأنشطة الإلكترونية التي تنفّذها الحكومة الفيدرالية. كما تحصر الاستهداف في المنظمات الإجرامية العابرة للحدود التي تُعد منفصلة عن الحكومات الأجنبية، ما لم تتوافر معلومات استخباراتية واضحة تثبت وجود صلة بينها.
وقالت مديرة سياسة الأمن السيبراني في مجلس الأمن القومي أماندا نايلور، إن المذكرة ستمنح الولايات المتحدة “أدوات جديدة لحماية الأميركيين من الجرائم الإلكترونية والاحتيال”.
مخاوف أمنية
لكن مسؤولين أميركيين سابقين وخبراء في الأمن السيبراني، حذّروا من أن السياسة الجديدة قد تزيد تعقيدات المواجهة الإلكترونية، وتثير تساؤلات بشأن المسؤولية القانونية للشركات، فضلاً عن احتمال التسبب في تصعيد غير مقصود مع دول أخرى.
وتتمثل إحدى أبرز المشكلات في صعوبة تحديد الجهة المسؤولة بصورة مؤكدة عن الهجمات الإلكترونية، خصوصاً في الحالات التي تعمل فيها مجموعات إجرامية بشكل مستقل أحياناً، بينما ترتبط في أحيان أخرى بأجهزة استخبارات أجنبية.
وقال نيك كار، المسؤول عن استخبارات التهديدات في مايكروسوفت والمسؤول السابق في مجال الأمن السيبراني، في منشور على منصة “إكس”، إن أبرز مخاوفه تتمثل في مدى صعوبة تحديد المسؤولية عن العمليات الإجرامية الإلكترونية، وقلة المؤسسات القادرة على القيام بذلك بدقة وبصورة متكررة.
بدوره، قال مايكل جارسيا، المسؤول السابق في وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية (CISA)، إن قدرات تحديد الجهات المسؤولة عن الهجمات تحسنت على مدار السنوات، لكنها لا تزال غير مثالية، في ظل قدرة المهاجمين على إخفاء هوياتهم ومصادر عملياتهم.
وأعلنت تايوان تعرض عدد من مؤسساتها الحكومية، خلال يوليو الماضي، لهجمات سيبرانية اعتمد منفذوها على مزيج من التدخل البشري ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
ويرى مسؤولون سابقون أن القرار يستهدف التعامل مع حجم متزايد من العمليات الإلكترونية بات من الصعب على الأجهزة العسكرية مواجهته بمفردها، ومن المتوقع أن يتفاقم مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي.
وقالت ميكي إويانج، المسؤولة السابقة في وزارة الحرب الأميركية (البنتاجون)، التي أشرفت على استخدام الأسلحة السيبرانية العسكرية خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن “الوتيرة الحالية للعمليات الإلكترونية غير قابلة للاستمرار بالنسبة للجيش وحده”.
وأضافت أن نجاح السياسة الجديدة سيتوقف إلى حد كبير على الإجراءات السرية المتعلقة باختيار الشركات والموافقة على الأهداف، ومدى قدرتها على مراعاة التداعيات الجانبية ومنع التعارض بين العمليات المختلفة.
محاكاة نموذج الصين وروسيا
وبحسب “واشنطن بوست”، فإن السياسة الجديدة ستقرّب النهج الأميركي، إلى حد ما، من الأساليب التي تستخدمها الصين وروسيا، حيث تعتمد أجهزة الاستخبارات منذ سنوات على متعاقدين وقراصنة من القطاع الخاص لدعم أهداف تتعلق بالأمن القومي.
ورغم تعاون شركات تكنولوجيا الدفاع الأميركية بالفعل مع وكالة الأمن القومي (NSA)، والقيادة السيبرانية الأميركية (CYBERCOM)، فإن دورها اقتصر عادة على توفير أدوات الاختراق والمعلومات الاستخباراتية والخبرات الفنية، بدلاً من تنفيذ العمليات الهجومية بصورة مباشرة.
وقال داكوتا كاري، المتخصص في منظومة القرصنة الإلكترونية الصينية، إن السياسة الجديدة تعكس انقلاباً في الأدوار، بعدما استلهمت بكين تاريخياً جوانب من سياسات الأمن السيبراني الأميركية.
تمكن قراصنة مرتبطون بالحكومة الصينية من اختراق عدد من مزودي خدمات الإنترنت في الولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة سعياً للحصول على معلومات حساسة.
وأضاف كاري، وهو مستشار لدى شركة الأمن السيبراني الأميركية “سنتينل وان”: “في نواحٍ كثيرة، تنبع قدرات الصين الحالية في مجال القرصنة من حقيقة أنها استنسخت نظامنا التعليمي. ويبدو الآن أن الولايات المتحدة مهتمة باستنساخ نظام الصين في تفويض قراصنة القطاع الخاص”.
ولا يزال من غير الواضح مدى إقبال الشركات الأميركية على المشاركة، بالنظر إلى المخاطر التشغيلية والقانونية المحتملة، بما في ذلك احتمال تعرض أعمالها وعملائها لعمليات انتقامية، فضلاً عن التساؤلات المتعلقة بكيفية الإفصاح عن هذه المخاطر أمام المستثمرين.


