في لحظات التحول التاريخي، لا تُختبر الدول بأزماتها فقط، بل بقدرتها على تبنّي التغيير حين تتاح الفرصة.
والعراق اليوم يقف أمام واحدة من هذه اللحظات.
لسنوات طويلة، تشكّل المشهد السياسي ضمن إطارٍ تقليدي لم ينجح، رغم محاولاته، في تحقيق الاستقرار والكفاءة وبناء الثقة. ضعفت المؤسسات، وتراجعت الفرص، واهتزت ثقة المواطن مرارًا. ومع ذلك، تلوح اليوم نافذة مختلفة، نافذة لا يجب إهدارها.
إذا ما تشكّلت حكومة جديدة، خصوصًا إن لم تكن مرتبطة بعمق بالمنظومة السياسية التقليدية، فلا ينبغي مواجهتها بالتشكيك وحده، بل يجب منحها فرصة حقيقية ومنظمة ومسؤولة للنجاح.
لأن الحقيقة البسيطة هي: من دون دعم قيادة جديدة، لن يتحقق أي تحول حقيقي.
أهمية دعم القيادة الجديدة
الحكومة التي لا تكون مقيّدة بتحالفات قديمة أو مصالح مترسخة تمتلك ما هو نادر:
• حرية الحركة
• مساحة الإصلاح
• القدرة على إعادة ترتيب الأولويات
وهذا يمنحها فرصة أكبر لإعادة بناء العراق في مختلف القطاعات:
• سياسيًا: عبر استعادة هيبة المؤسسات
• أمنيًا: عبر تعزيز سلطة الدولة
• اقتصاديًا: عبر جذب الاستثمار وإرساء الانضباط المالي
• اجتماعيًا: عبر إعادة الثقة بين الدولة والمجتمع
• في التعليم والصحة: عبر الانتقال إلى تخطيط طويل الأمد
لكن هذه الفرصة هشّة، وإذا لم تُدعَم، ستنهار تحت ضغط التشكيك والمقاومة.
دور السياسيين التقليديين
دعم الحكومة الجديدة لا يعني إقصاء أصحاب الخبرة.
بل يتطلب تحولًا ناضجًا في الأدوار.
على السياسيين التقليديين أن يرتقوا إلى مستوى المسؤولية الوطنية من خلال:
• إفساح المجال للكفاءات الجديدة
• تقديم النصح بدل التنافس
• التحول إلى داعمين ومرشدين، لا معرقلين
مستقبل العراق لا يُبنى بتزاحم المواقع، بل بحكمة القيادة.
الأساس الحاسم: النزاهة والكفاءة
لا يمكن لأي حكومة جديدة أن تنجح إذا لم تقطع بشكل واضح مع أخطاء الماضي.
أكبر تحدٍ يواجه العراق ليس سياسيًا فقط، بل هيكلي: الفساد، وغياب الشفافية، وضعف المساءلة.
لذلك، يجب أن تلتزم أي حكومة جديدة بـ:
• اختيار خبرات عالية ومستقلة
• استبعاد أي شخص مرتبط بالفساد أو الأجندات الحزبية
• بناء منظومة قائمة على المحاسبة الواضحة والأداء القابل للقياس
هذا ليس خيارًا، بل شرط أساسي للنجاح.
توازن العلاقات الدولية: مفتاح السيادة
العراق ليس بمعزل عن العالم.
بل يقع في قلب توازنات حساسة، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى باقي دول المنطقة.
لذلك، على الحكومة الجديدة أن تدرك:
• أن الشراكة لا تعني التبعية
• وأن الحياد لا يعني الضعف
• وأن التوازن لا يعني التنازل
المطلوب هو توازن ذكي يحمي مصالح العراق أولًا من خلال:
• علاقات متوازنة مع جميع الأطراف
• تجنب التحول إلى ساحة صراع
• استثمار العلاقات الدولية لخدمة الاقتصاد والأمن
السيادة اليوم ليست انعزالًا، بل إدارة ذكية للعلاقات.
عراق جديد في شرق أوسط جديد
المنطقة نفسها تتغير.
المنافسة الاقتصادية، وإعادة ترتيب التحالفات، والتحولات العالمية، تفرض واقعًا جديدًا لا ينجح فيه إلا: الدول المستقرة، الفاعلة، والمستقبلية.
والعراق يمتلك القدرة ليكون من بينها إذا أحسن استثمار هذه اللحظة.
الخلاصة
دعم الحكومة الجديدة ليس تفاؤلًا… بل مسؤولية.
لأن تكرار نفس الأدوات لن يؤدي إلا إلى نفس النتائج.
إذا أراد العراق أن يتقدم، فعليه أن يمنح الفرصة لمن يمثل تغييرًا حقيقيًا، على أن يكون الحكم النهائي مبنيًا على الأداء والنزاهة والنتائج.
حينها فقط، يمكن أن يولد عراق جديد قوي، مستقر، ومحترم في محيطه الإقليمي والدولي.

