قالت مصادر لصحيفة “وول ستريت جورنال”، إن التحقيق مع الجنرال الصيني رفيع المستوى تشانغ يو شيا الصديق الشخصي للرئيس شي جين بينج، والذي كان يشغل منصب نائب رئيس اللجنة العسكرية المركزية، يشمل اتهامه بتسريب معلومات عن برنامج الأسلحة النووية الصينية إلى الولايات المتحدة، وقبول رشاوى مقابل ترقية لي شانجفو إلى منصب وزير الدفاع في 2023، قبل أن يواجه لي اتهامات فساد، ويعزل من منصبه والحزب.
وذكرت المصادر أن قائمة الاتهامات وردت في إحاطة عقدت صباح السبت، حضرها عدد من أعلى القادة العسكريين رتبة في الجيش، قبيل إعلان وزارة الدفاع الصينية عن فتح تحقيق بحق تشانغ يو شيا، الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه الحليف الأكثر ثقة للرئيس الصيني شي جين بينج في الجيش.
ولم يتضمن البيان سوى تفاصيل محدودة، مكتفياً بالإشارة إلى التحقيق في “انتهاكات جسيمة لانضباط الحزب وقوانين الدولة”.
غير أن أشخاصاً مطلعين على الإحاطة، التي لم يكشف عن تفاصيلها علناً حتى الآن، قالوا لـ”وول ستريت جورنال”، إن تشانغ يخضع للتحقيق للاشتباه في قيامه بـ”تشكيل تكتلات سياسية”، وهو تعبير يُستخدم لوصف محاولات بناء “شبكات نفوذ تُقوض وحدة الحزب”، إضافة إلى إساءة استخدام سلطته داخل أعلى هيئة لاتخاذ القرار العسكري في الحزب الشيوعي، المعروفة باسم اللجنة العسكرية المركزية.
كما تدقق السلطات في إشرافه على جهاز نافذ مسؤول عن البحث والتطوير وشراء المعدات العسكرية. وذكر المطلعون على الإيجاز أن تشانغ يُشتبه في قبوله مبالغ مالية طائلة مقابل ترقيات رسمية ضمن نظام المشتريات العسكرية ذي الميزانيات الضخمة.
وقال أشخاص مطلعون إن أخطر اتهام كُشف عنه خلال الإيجاز المغلق كان أن تشانج سرّب بيانات تقنية أساسية تتعلق بالأسلحة النووية الصينية إلى الولايات المتحدة.
وأضاف المطلعون أن بعض الأدلة ضد تشانغ جاءت من قوه جون، المدير العام السابق للمؤسسة الوطنية الصينية للطاقة النووية، وهي شركة مملوكة للدولة تشرف على جميع جوانب البرامج النووية المدنية والعسكرية في الصين.
وكانت بكين قد أعلنت الاثنين الماضي، فتح تحقيق بحق قوه للاشتباه في ارتكابه “انتهاكات جسيمة لانضباط الحزب وقوانين الدولة”.
وخلال إحاطة السبت، كشف المسؤولون أن التحقيق مع قوه ربط تشانج بخرق أمني داخل القطاع النووي الصيني، بحسب المطلعين. ولم تُكشف خلال الإيجاز تفاصيل إضافية حول طبيعة هذا الخرق.
ولم يتسنّ الوصول إلى تشانغ، البالغ من العمر 75 عاماً، ولا إلى قوه للتعليق.
وفي بيان لصحيفة “وول ستريت جورنال”، قال ليو بينجيو، المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، إن قرار الحزب التحقيق مع تشانج يؤكد أن القيادة تعتمد “نهجاً شاملاً يقوم على عدم التسامح مطلقاً في مكافحة الفساد”.
ويرى محللون أن الحملة الأخيرة التي يشنها الرئيس شي جين بينج ضد الفساد وعدم الولاء داخل القوات المسلحة تمثل “أكبر تفكيك عدواني للقيادة العسكرية الصينية منذ عهد ماو تسي تونج”.
ويخضع وزير الدفاع الصيني الأدميرال دونج جون للتحقيق، في أحدث فضيحة فساد تضرب قمة الجيش، وهو ثالث وزير دفاع سابق أو حالي على التوالي يتم التحقيق معه بتهمة الفساد.
ومثل شي، يُعدّ تشانج، وهو عضو في المكتب السياسي النخبوي للحزب، من “أمراء الحزب” (Princelings)، وهو المصطلح الذي يُطلق على أبناء وأحفاد القادة الثوريين وكبار مسؤولي الحزب.
وقاتل والد تشانج إلى جانب والد شي خلال الحرب الأهلية الصينية التي انتهت باستيلاء القوات الشيوعية بقيادة ماو على السلطة عام 1949، قبل أن يرتقي الرجلان لاحقاً إلى مناصب رفيعة، وفق “وول ستريت جورنال”.
وقال كريستوفر جونسون، رئيس مجموعة China Strategies Group، وهي شركة استشارات متخصصة في المخاطر السياسية، إن “هذه الخطوة غير مسبوقة في تاريخ الجيش الصيني وتمثل إطاحة كاملة للقيادة العليا”.
“ترقية وزير دفاع مقابل رشاوى”
كما ربط الإيجاز الداخلي الذي عُقد السبت، سقوط تشانج بدوره في ترقية وزير الدفاع السابق لي شانجفو. وبحسب المطلعين، يُزعم أن تشانج ساعد في رفع مكانة لي مقابل رشاوى كبيرة.
أما سقوط لي شانجفو نفسه فبدأ في عام 2023، حين اختفى عن الأنظار العامة، قبل أن يُعزل لاحقاً من منصبه وزيراً للدفاع. وفي العام التالي، طرده الحزب بسبب قضايا فساد. ولم يتسنّ الوصول إلى لي للتعليق.
وفي دلالة على عمق التحقيق الجاري، قال أشخاص مطلعون على الإيجاز إن شي كلّف فريق عمل بإجراء تحقيق معمّق في فترة تولي تشانج قيادة منطقة شنيانغ العسكرية، التي امتدت خمس سنوات من 2007 إلى 2012.
وأضافوا أن الفريق وصل بالفعل إلى مدينة شنيانج في شمال شرق البلاد، ولفتوا إلى أنه اختار الإقامة في فنادق محلية بدلاً من القواعد العسكرية، حيث كان من الممكن أن يتمتع تشانغ بشبكة دعم.
وظهر وزير الدفاع الصيني السابق وي فنج خه علناً الاثنين، بعد أشهر من الاختفاء عن الفعاليات الرسمية والتكهنات حول مصيره.
وبحسب بعض المطلعين، صادرت السلطات بالفعل أجهزة الهاتف المحمولة لضباط ترقّوا في الرتب إلى جانب تشانغ والجنرال ليو تشنلي، رئيس إدارة الأركان المشتركة، الذي أُعلن أيضاً السبت، فتح تحقيق بحقه، في وقت أصبح فيه آلاف الضباط المرتبطين بالرجلين أهدافاً محتملة. ولم يتسنّ الوصول إلى ليو، البالغ من العمر 61 عاماً، للتعليق.
ويُوسّع سقوط تشانغ وليو نطاق حملة شي المستمرة منذ سنوات لتطهير الجيش من الضباط الذين يُنظر إليهم على أنهم فاسدون أو غير موثوقين سياسياً.
وقال كريستوفر جونسون، الذي عمل في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لعقدين، بينها فترة كمحلل بارز للشأن الصيني، إن وصول حملة التطهير إلى أحد أصدقاء شي الشخصيين، تشانغ، يُظهر أنه “لم تعد هناك حدود لحماسة شي في مكافحة الفساد”.
وأضاف جونسون: “سعى شي في السنوات الأولى من حملة مكافحة الفساد إلى تجنب إقصاء شامل لكبار القادة”، عبر عدم استهداف جنرالات عاملين في الخدمة وأجزاء محورية من الجيش مثل قوة الصواريخ الاستراتيجية. وتابع: “لكنه أدرك لاحقاً أن ذلك غير ممكن، وهذه الخطوة تمثل الخاتمة لتلك العملية”.
ويرى محللون أن غموض النظام السياسي الصيني يجعل من الصعب تحديد الدوافع الدقيقة لشي في تصفية حليف قديم داخل الجيش الصيني، المعروف بجيش التحرير الشعبي.
كما أن التفسيرات الداخلية المقدمة لنخبة الحزب، مثل تلك التي طُرحت في إيجاز السبت، لا تعكس دائماً الدوافع الكاملة أو الحقيقية وراء قرارات شي.
ومع ذلك، أشارت افتتاحية صحيفة “جيش التحرير الشعبي”، وهي الصحيفة الرئيسية للقوات المسلحة، إلى أهمية العوامل السياسية في القضية ضد تشانغ، إذ اتهمته الصحيفة بأنه “دهس بشدة وقوّض”، الأساس المؤسسي لسلطة رئيس اللجنة العسكرية المركزية.
وقال لايل موريس، الزميل البارز للسياسة الخارجية والأمن القومي في معهد Asia Society Policy، إن هذا يشير إلى أن “تشانغ كان يمتلك نفوذاً يفوق الحد خارج نطاق سلطة شي نفسه”.
وأوضح موريس أن الحزب شدد على أن شي، بصفته رئيس اللجنة العسكرية المركزية، يتمتع بالسلطة المطلقة على الجيش ويمثل قيادة الحزب للقوات المسلحة. وأضاف: “إبراز مثل هذا الانتهاك يوحي بأن تشانغ كان خارج تسلسل القيادة الذي يريده شي”.
وبغض النظر عن الأسباب، قال موريس إن قرار شي إقصاء تشانغ يُظهر أن شي “واثق من ترسيخ سيطرته على الجيش”. وأضاف: “هذا ليس مؤشراً على ضعف، بل على قوة، بالنسبة لشي”.
تايوان.. الهدف النهائي
ومن خلال قطع رأس هيكل القيادة، بحسب بعض المطلعين على الإحاطة، يبعث شي برسالة مفادها أن تفشي الفساد، وترسخ شبكات المحسوبية، وتسريب أسرار الدولة تمثل تهديدات وجودية لهدفه المتمثل في فرض السيطرة على تايوان، الجزيرة الديمقراطية ذات الحكم الذاتي التي تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها.
غير أن بعض المحللين يرون أن إفراغ الصفوف العليا من القيادات قد يؤثر في الجاهزية القتالية، وربما يخفض على المدى القريب مخاطر شن غزو عبر مضيق تايوان، مع تحوّل شي إلى استراتيجية أكثر عمقاً.
“فراغ في قمة هرم الجيش”
ومنذ صيف 2023، أطاح الحزب بكبار الضباط في الجيش الصيني وسلاح الجو والبحرية وقوة الصواريخ الاستراتيجية والشرطة شبه العسكرية، إضافة إلى قيادات مسارح عمليات رئيسية، بما في ذلك المسرح المعني بتايوان.
ووفق إفصاحات رسمية راجعتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، وُضع أكثر من 50 ضابطاً عسكرياً رفيعاً ومسؤولاً تنفيذياً في قطاع الصناعات الدفاعية قيد التحقيق أو أُقيلوا من مناصبهم خلال العامين والنصف الماضيين.
وعند بدء الولاية الحالية للجنة العسكرية المركزية في عام 2022، كانت تضم ستة أعضاء مهنيين من العسكريين. أما الآن، فلم يبقَ سوى ضابط واحد في الخدمة الفعلية، هو الجنرال تشانغ شنغمين، الذي رُقّي إلى منصب نائب الرئيس في أكتوبر الماضي فقط، بعد إقصاء جنرال آخر كان يشغل هذا المنصب.
وعلى خلاف تشانغ يو شيا وليو تشنلي، وكلاهما من قدامى المحاربين، أمضى تشانغ شنغمين معظم مسيرته المهنية كضابط سياسي ومفتش انضباط، معنيّ بفرض الولاء ورفع المعنويات.
وقال إم. تايلور فرافيل، مدير برنامج دراسات الأمن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن “هذا الفراغ في القمة غير قابل للاستمرار، نظراً لحجم وتعقيد الإشراف على مؤسسة عسكرية كبيرة ومتطورة”.
وأضاف أنه “من المحتم أن يكون لذلك تأثير على جاهزية جيش التحرير الشعبي الحالية لتنفيذ عمليات عسكرية كبرى ومعقدة على المديين القصير والمتوسط”.

