تكبد سوق العملات الرقمية، وعلى رأسها بيتكوين، خسائر كبيرة، بالتزامن مع تراجع أسهم كبرى الشركات العاملة في القطاع، ولجوء بعضها إلى تسريح أعداد كبيرة من موظفيها، في ظل تعثر الجهود الهادفة إلى تمرير تشريعات داعمة لصناعة العملات المشفرة داخل الكونجرس الأميركي.
وخسر سوق العملات الرقمية العالمي نحو تريليوني دولار من قيمته منذ بلوغه ذروة عند 4.379 تريليون دولار في أوائل أكتوبر، وفق ما أوردت وكالة “رويترز”، مع تبخر نحو 800 مليار دولار خلال الشهر الماضي وحده.
ويتم تداول بيتكوين حالياً عند أقل من 64 ألف دولار، أي بانخفاض يقارب 50% عن ذروته التي بلغها في أكتوبر الماضي عندما قاربت حاجز 126 ألفاً. كما تراجعت أسعار عملتين رئيسيتين أخريين، هما إيثر وسولانا، بأكثر من 30% خلال الأسبوع الماضي.
وفي الوقت نفسه، هبطت أسعار أسهم كبرى شركات العملات الرقمية بشكل حاد. فقد تراجع سهم شركة Strategy، التي تشتري كميات ضخمة من بيتكوين، بنسبة 75% منذ نوفمبر 2024، وهو الشهر الذي انتُخب فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووعد بجعل الولايات المتحدة “عاصمة العملات الرقمية في العالم”، بحسب ما أوردت صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقد تراكمت هذه الأخبار السيئة لتشكل واحدة من أسوأ الأزمات التي يشهدها قطاع العملات الرقمية منذ عام 2022، عندما انهارت منصة FTX بعد عملية احتيال بقيمة 8 مليارات دولار.
وهذه المرة، يعود تراجع السوق جزئياً إلى نوع من التداول عالي المخاطر تسبب في أزمة مفاجئة في السوق أواخر العام الماضي.
ويظهر الانخفاض الحاد في الأسعار مدى هشاشة بيتكوين أمام الاتجاهات الاقتصادية الأوسع، مثل الضغوط التي يتعرض لها قطاع التكنولوجيا، والتي أدت إلى موجة بيع واسعة في الأسواق خلال الأيام الأخيرة.
خسائر بالمليارات
وبدأت تداعيات هذا التراجع تظهر على السوق بشكل فوري، إذ أعلنت منصة Gemini exchange، وهي شركة عملات رقمية مدرجة في البورصة، الخميس، عن تسريح 25% من موظفيها وإنهاء عملياتها في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا.
وقال كوري فراير، وهو مسؤول سابق في هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية عمل على ملفات العملات الرقمية لـ”نيويورك تايمز”: “هذا يبدو شبيهاً بمرحلة الانكماش التي شهدناها في عام 2022”.
وكانت الخسائر أشد وطأة على فئة الشركات العامة التي تستثمر في العملات الرقمية، وأكبر هذه الشركات هي Strategy، التي تمتلك أكثر من 700 ألف وحدة بيتكوين. وأعلنت الشركة، الخميس، عن خسارة صافية بلغت 12.4 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2025، مقارنة بخسائر قدرها 670.8 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق.
وقال أندرو كانج، المدير المالي للشركة، خلال إعلان النتائج: “التحركات الفصلية من هذا النوع يمكن أن تكون حادة ومقلقة، لكن من المهم التأكيد على أن استراتيجيتنا مبنية على المدى الطويل”.
ومنذ ظهور بيتكوين في عام 2008، شهد قطاع العملات الرقمية دورات متكررة من الازدهار والانهيار. لكن عندما وصل سعر بيتكوين إلى 100 ألف دولار في ديسمبر 2024، ساد أمل داخل القطاع بأن أسواق العملات الرقمية قد تدخل مرحلة جديدة من الاستقرار.
وكان ترمب قد تعهد عند انتخابه بإنهاء حملة التضييق التنظيمي على العملات الرقمية. وتوقع بعض المستثمرين آنذاك أن يقفز سعر بيتكوين إلى 250 ألف دولار خلال عام واحد.
لكن ذلك لم يتحقق، فمنذ خريف العام الماضي، تعرض قطاع العملات الرقمية لسلسلة من الانتكاسات القاسية.
ففي أكتوبر، انهار السوق في موجة تراجع قادتها عوامل اقتصادية، من بينها تهديدات ترمب بفرض رسوم تجارية. كما تفاقم الانخفاض بسبب مستثمرين اقترضوا مبالغ ضخمة لتنفيذ رهانات متزايدة الحجم على ارتفاع أسعار العملات الرقمية.
وعندما ترتفع السوق، يمكن لهذه الرهانات عالية المخاطر أن تحقق عوائد هائلة، لكنها في أوقات التراجع تزيد من حدة الخسائر.
لا تدخل حكومي مرتقب
وطالما ضغطت شركات العملات الرقمية في واشنطن من أجل تشريع واسع النطاق يضع قواعد جديدة داعمة للصناعة، ويحميها من التشديد التنظيمي.
وقد مرّ أحد مشاريع القوانين عبر مجلس النواب خلال الصيف، وكان من المقرر التصويت عليه في لجنة رئيسية بمجلس الشيوخ الشهر الماضي، قبل أن يؤدي خلاف حول أحد بنوده إلى تعطيل العملية.
ولا يُرجح أن تتدخل الحكومة الفيدرالية لإنقاذ القطاع، إذ قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، خلال جلسة استماع في الكونجرس، الأربعاء، إن الحكومة لا تملك صلاحية إلزام البنوك بشراء بيتكوين في محاولة لوقف تراجع الأسعار.
ووصلت عملة “بتكوين” إلى مستوى 120 ألف دولار لأول مرة، مع تزايد تفاؤل المستثمرين بعد خروجها من نطاق تداول ضيق أثار شكوكاً بشأن قدرتها على استعادة الزخم القياسي.
وخلال الانهيار السابق لسوق العملات الرقمية، نفذت العديد من كبرى الشركات عمليات تسريح جماعية، من بينها منصة Gemini.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، عبّر بعض خبراء العملات الرقمية عن تشاؤمهم إزاء الانهيار الأخير للقطاع.
وكتب يفجيني جايفوي، مؤسس شركة التداول المؤثرة “وينترميوت”، أنه يشعر بالقلق من أن كثيراً من المثالية التي ميزت بدايات القطاع قد تلاشت في خضم السعي وراء الأرباح.
وأضاف: “فقدت بيتكوين سبب وجودها بالكامل خلف شعار(الرقم يرتفع). وينطبق الأمر نفسه على معظم عالم العملات الرقمية”. ومع ذلك أبدى تفاؤله بشأن “مستقبل هذه الصناعة ككل”.
وكتب المستثمر مايكل بيري، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية في 2008، في نشرته على منصة “سابستاك”، أن التقلبات الشديدة التي شهدتها أسعار الذهب والفضة في الآونة الأخيرة قد تكون ناجمة عن قيام مستثمري العملات المشفّرة ببيع حيازاتهم من المعادن لتعويض خسائرهم في سوق بيتكوين.

