لطالما كانت فنزويلا أرض النفط والثروات الطبيعية الضخمة، الدولة التي تتربع على أحد أكبر احتياطيات نفطية في العالم، وتزخر بالسهول الشاسعة والبحيرات الهائلة، ما جعلها دائماً محور اهتمام الولايات المتحدة. وخلال فترة رئاسة دونالد ترمب، تصاعدت هذه الاهتمامات وتحولت إلى "صراع مباشر".
وشنت الولايات المتحدة هجوماً مباشراً على الأراضي الفنزويلية، السبت، دوّت خلاله انفجارات ضخمة في عدة مناطق وتحليق مكثف للطيران الحربي. وقال ترمب، السبت، إن "أميركا شنت ضربة ناجحة واسعة النطاق ضد فنزويلا"، مضيفاً أنه تم القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما خارج البلاد جواً.
وتتهم إدارة ترمب الرئيس الفنزويلي مادورو بقيادة منظمة مصنفة كجماعة إرهابية تُعرف باسم "كارتيل دي لوس سوليس"، وهو ما ينفيه مادورو.
دولة الجزر والأرخبيلات
تقع فنزويلا في أقصى شمال قارة أميركا الجنوبية، وتحتل مساحة مثلثة الشكل أكبر من مجموع مساحة فرنسا وألمانيا. يحدها من الشمال البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، ومن الشرق جويانا، ومن الجنوب البرازيل، ومن الجنوب الغربي والغربي كولومبيا.
العاصمة الوطنية هي كاراكاس، التي تُعد المركز الرئيسي للصناعة والتجارة والتعليم والسياحة.
تدير فنزويلا عدة جزر وأرخبيلات كاريبية منها: جزيرة مارجريتا، لا بلانكيلا، لا تورطوجا، لوس روكيس، ولوس مونخيس. ومنذ القرن التاسع عشر، طالبت فنزويلا بحقها في أراضي جويانا الواقعة غرب نهر الإيسيكويبو، وتمثل نحو ثلثي مساحة جويانا.
ولفنزويلا أيضاً نزاع طويل مع كولومبيا على الحدود البحرية في خليج فنزويلا، إضافة إلى الخلاف حول أرخبيل لوس مونخيس
تاريخ متقلب
عند وصول الإسبان إلى فنزويلا، كان السكان الأصليون في الغالب مزارعين وصيادين يعيشون في مجموعات على طول الساحل، وفي سلسلة جبال الأنديز، وعلى ضفاف نهر أورينوكو.
وأُنشئت أول مستوطنة إسبانية دائمة بأميركا الجنوبية، في فنزويلا عام 1522. وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت فنزويلا مستعمرة مهملة نسبياً، إذ ركّز الإسبان على استخراج الذهب والفضة من مناطق أخرى في القارتين الأميركيتين.
ومع اقتراب نهاية القرن الثامن عشر، بدأ الفنزويليون يشعرون بالضيق من الحكم الاستعماري. وفي عام 1821، وبعد عدة انتفاضات فاشلة، نجحت البلاد في تحقيق الاستقلال عن إسبانيا بقيادة، سيمون بوليفار.
وكانت فنزويلا، إلى جانب ما يُعرف اليوم بكولومبيا وبنما والإكوادور، جزءاً من جمهورية جران كولومبيا حتى عام 1830، حين انفصلت فنزويلا وأصبحت دولة ذات سيادة مستقلة.
اتسمت معظم فترات القرن التاسع عشر في فنزويلا بحالات من عدم الاستقرار السياسي، والحكم الديكتاتوري، والاضطرابات الثورية. أما النصف الأول من القرن العشرين فتميّز بفترات من الحكم السلطوي، بما في ذلك ديكتاتوريتان بين عامي 1908–1935 و1950–1958.
معلومات عن جمهورية فنزويلا
العاصمة: كاراكاس
المساحة: 916,445 كيلومتراً مربعاً
عدد السكان: 30.5 مليون نسمة
اللغات: الإسبانية، بالإضافة إلى لغات محلية
متوسط العمر المتوقع: 67 عاماً (للرجال) و76 عاماً (للنساء)
ومنذ الإطاحة بالجنرال ماركوس بيريز خيمينيز عام 1958 وانسحاب الجيش من المشاركة المباشرة في السياسة الوطنية، تمتعت فنزويلا بتقليد متواصل من الحكم المدني الديمقراطي، ما أكسبها سمعة كونها إحدى أكثر الديمقراطيات استقراراً في أميركا اللاتينية.
وحتى انتخابات عام 1998، هيمن حزبا العمل الديمقراطي (AD) والديمقراطي المسيحي (COPEI) على الحياة السياسية على المستويين المحلي والاتحادي.
اضطرابات واسعة
انتهى الهدوء السياسي السائد في فنزويلا عام 1989، عندما شهدت البلاد اضطرابات وأعمال شغب لقي خلالها أكثر من 200 شخص حتفهم في العاصمة كاراكاس.
وقد جاءت أحداث ما عُرف بـ"الكاراكازو" رداً على برنامج تقشفي اقتصادي أطلقه آنذاك الرئيس كارلوس أندريس بيريز.
وبعد 3 سنوات، في فبراير 1992، قاد مجموعة من ضباط الجيش برتبة مقدم، يتقدمهم هوجو تشافيز (الذي أصبح لاحقاً رئيساً للبلاد)، محاولة انقلاب فاشلة، معتبرين أن أحداث 1989 أظهرت أن النظام السياسي لم يعد يخدم مصالح الشعب. وتلت ذلك محاولة انقلاب ثانية فاشلة في نوفمبر 1992. وبعد عام واحد، قام الكونجرس بعزل بيريز بتهم تتعلق بالفساد.
وأعرب الفنزويليون عقب عزل بيريز عن سخط شعبي عميق تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، والفجوات الكبيرة في الدخل، والصعوبات الاقتصادية.
وفي ديسمبر 1998، فاز هوجو تشافيز فرياس بالرئاسة على أساس برنامج دعا إلى إصلاحات شاملة، وتغيير دستوري، ومكافحة الفساد.
الإصلاحات الدستورية
انتُخب الرئيس هوجو تشافيز على أساس برنامج دعا إلى إنشاء جمعية تأسيسية وطنية لصياغة دستور جديد لفنزويلا. وقد لاقت حجته بأن النظام السياسي القائم أصبح معزولاً عن الشعب قبولاً واسعاً، خاصة بين الطبقات الأفقر التي شهدت تدهوراً كبيراً في مستويات معيشتها خلال الخمسة عشر عاماً السابقة.
وفي استفتاء وطني جرى في 15 ديسمبر 1999، وافق الفنزويليون على مشروع الدستور الجديد.
ينص دستور 1999 على أن يُنتخب الرئيس بالاقتراع العام المباشر وبالأغلبية النسبية. وتبلغ مدة الولاية الرئاسية 6 سنوات، ويجوز إعادة انتخاب الرئيس لولاية واحدة متتالية.
ويقوم الرئيس بتعيين نائب الرئيس، ويحدد حجم وتشكيلة مجلس الوزراء ويجري التعيينات فيه بمشاركة الجمعية الوطنية.
اقتصاد قائم على النفط
يعتمد الاقتصاد الفنزويلي في المقام الأول على إنتاج واستغلال النفط. فمنذ أواخر أربعينيات القرن العشرين وحتى عام 1970، كانت البلاد أكبر مُصدّر للنفط في العالم، كما ظلت لفترة طويلة من أبرز موردي النفط إلى الولايات المتحدة.
واعتمدت فنزويلا على عائدات قطاع النفط لتحديث وتنويع قطاعاتها الاقتصادية الأخرى، ولهذا أصبح شعار "زرع النفط" (Sembrando el petróleo) شعاراً وطنياً منذ أربعينيات القرن الماضي. كما ساهم تطوير رواسب غنية من خام الحديد والنيكل والفحم والبوكسيت (خام الألمنيوم)، إضافة إلى الطاقة الكهرومائية، في توسيع الاقتصاد.
خلال ستينيات القرن الماضي، ركزت الحكومات الفنزويلية على سياسات إحلال الواردات، من خلال فرض رسوم جمركية وقائية للحد من استيراد السلع المصنعة، وتقديم إعانات لدعم نمو الصناعات المحلية. ونتيجة لذلك، توسعت الشركات الموجهة للتصدير.
وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين، قامت الحكومة بتأميم صناعات الحديد والنفط والغاز، ثم استخدمت عائدات صادرات الوقود الأحفوري لتمويل تحسينات كبرى في البنية التحتية ومشروعات عامة أخرى. وبحلول نهاية القرن العشرين، أصبحت الصناعات الفنزويلية أكثر تنوعاً، وطورت البلاد موارد طبيعية إضافية.
ومع ذلك، تباطأ مشروع "زرع النفط" بشكل كبير بسبب تقلبات أسعار النفط العالمية وحالات الركود الاقتصادي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلى جانب مشكلات داخلية مثل التضخم، وسوء الإدارة، والفساد، ونقص الكوادر المؤهلة.
كما تعرض الاقتصاد لضغوط نتيجة الديون الخارجية الضخمة، وارتفاع معدلات البطالة، والنمو السكاني السريع، والهجرة غير الشرعية. ورغم ذلك، شهد الاقتصاد تعافياً نسبياً في مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تمكنت البلاد بحلول عام 2007 من سداد ديونها الخارجية.
أما الرئيس هوجو تشافيز، الذي انتُخب لأول مرة عام 1998، فقد تبنّى أجندة اقتصادية وسياسية اشتراكية شملت برنامجاً متزايداً للتأميم، طُبق بعد فوزه الساحق في انتخابات عام 2006. وسعياً لتقليص النفوذ الاقتصادي الأميركي في فنزويلا وبقية أميركا اللاتينية، استخدم تشافيز ثروة البلاد النفطية لمنح قروض سخية لدول الجوار.
وخلال فترة حكم تشافيز، ساهم سوء الإدارة في تراجع كبير في إنتاج النفط وعائداته. ورغم أن صادرات النفط أصبحت تهيمن بشكل متزايد على الاقتصاد وتراجعت جهود التنويع الاقتصادي، فإن الحكومة فشلت في الاستثمار الكافي في صيانة وتطوير صناعة النفط. وفي الوقت نفسه، واصلت توسيع البرامج الاجتماعية والاقتراض بكثافة.
وعندما انهارت أسعار النفط عالمياً عام 2014، بدأ الاقتصاد الفنزويلي في انهيار حاد؛ إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 75٪ بين عامي 2014 و2019. كما فاقمت الممارسات السلطوية التي بدأها تشافيز، وكثفها خليفته نيكولاس مادورو، الأزمة من خلال التسبب في فرض عقوبات اقتصادية من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
وأسفر ذلك عن نقص حاد في الغذاء والدواء، ما أدى إلى أزمة إنسانية تفاقمت بشكل أكبر مع وصول جائحة فيروس كورونا إلى البلاد عام 2020.
وتمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية تُقدّر بنحو 303.8 مليار برميل، متجاوزةً بذلك احتياطيات الولايات المتحدة البالغة 38.2 مليار برميل.
قدرات عسكرية
بعد أن أصبح تشافيز رئيساً عام 1999، وجّه موارد البلاد النفطية الهائلة نحو الجيش، فاشترى معدات روسية بسبب الحظر الأميركي، وفق CNN.
ونتيجة لذلك، أصبحت أنظمة أسلحة مثل طائرات سو-30 المقاتلة، ودبابات تي -57، وصواريخ S400 وبيتشورا، وبوك المضادة للطائرات، وأنظمة إيجلا-إس المحمولة، وبنادق كلاشينكوف، وكلها صُممت في الحقبة السوفيتية – تُشكّل جزءاً لا يتجزأ من صورة القوات المسلحة الفنزويلية.
يبلغ قوام القوات المسلحة الوطنية الفنزويلية حالياً حوالي 123 ألف فرد في الخدمة الفعلية. أما الجيش فيضم 63 ألفاً، والبحرية 25 ألفاً و500، والقوات الجوية 11 ألفاً و500، والحرس الوطني 23 ألفاً، وفقًا للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. ويُضاف إلى هؤلاء حوالي 8 آلاف جندي احتياطي.
وإلى جانب وحداتها العسكرية النظامية، تستطيع فنزويلا الاستعانة بالميليشيا البوليفارية، وهي قوة احتياطية مؤلفة من مدنيين. أنشأها تشافيز وسُميت تيمناً بسيمون بوليفار، الثوري الذي ناضل من أجل استقلال العديد من دول أميركا اللاتينية عن إسبانيا.
ولا تتوفر فنزويلا سوى على 229 طائرة حربية 8 آلاف و802 مركبة مدرعة و34 سفينة حربية.
فنزويلا.. أرض النفط والثروات الطبيعية تواجه "مصيراً مجهولاً"

